السيد نعمة الله الجزائري
29
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
كجعل الحرام واجبا والواجب حراما ، الثاني : إنه أدخلهم وخلقهم على ما أراد من تفاوت مراتبهم في الاستعداد ، فجعل مادة بعضهم مستعدة للنبوة ، والبعض الآخر للإمامة ، والثالث للفضيلة ، والرابع للتقليد ، على حسب ما اقتضته الحكمة الكاملة ، فالنبي لا يقدر أن يتخلف عما قدم إليه من تلك المرتبة فيصير مقلدا لغيره ، والمقلد من الرعية لا يمكنه التقدم عما خلق له بأن يصير نبيا أو إماما لعدم إعطاء مادته لذلك الاستعداد ، ومن جملة أسمائه تعالى المقدم والمؤخر ، وقد قيل فيهما هذا المعنى ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، الثالث : إن السالك إذا صرف شراشره وهمته في خدمة مطلوبه أدخله ذلك المطلوب في الطريق المراد له ، حتى أن كل ما يصدر منه يكون على وفق إرادة ذلك المطلوب ، فيتخلى عن إرادات نفسه ، ويتحلى بإرادات قدسه ، كما مر من قوله : إذا تقرّب العبد إليّ بالنوافل ، الحديث ، وتسمى هذه المرتبة عند السالكين ، الفناء في اللّه ، وإليه أشار عليه السّلام بقوله : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف شاء ، وبعد أن عمل بقوله عليه السّلام ، موتوا أنفسكم قبل أن تموتوا ، وبعد هذا الموت يحبه اللّه تعالى ويبعثه ويؤيده بالقوة الإلهية ، ولذا قال ، ثم بعثهم في سبيل محبته ، وإلى هذه المرتبة أشار سيد الموحدين عليه السّلام بقوله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ، بل بقوة ربانية ، فإنه أفنى قوته الجسمانية في جنب اللّه ، فأفاض اللّه عليه من قوته ، وكذا قوله في صفة المتهجدين ، إنهم خلوا بربهم فكساهم من نوره ، فإنهم أفنوا حسّهم البشري بالفكر والسهر ، واصفرت وجوههم منه ، وبعد هذا أفاض اللّه عليهم من حسنه وأنواره ، وتسمى هذه المرتبة البقاء في اللّه ، وقوله لا يملكون تأخيرا ، انتهى . كالتأكيد له ، فإنهم قد تخلقوا بأخلاق اللّه فلا يستطيعون مخالفته ، لأنه هو المتصرف في قلوبهم وأمورهم ، وهم كالآلات التي يقع بها الفعل . « وجعل لكلّ روح منهم قوتا معلوما ( مقسوما ) « 1 » من رزقه ، لا ينقص من زاده ناقص ، ولا يزيد من نقص منهم زائد » الظاهر أن المراد ذي روح ، ويجوز أن يراد نفس الأرواح ، فيكون إما عبارة عما تضمنه حديث جابر ، من تعداد أرواح الإنسان ، وهي روح الحيوان ، وروح المدرج ، وروح الشهوة ، وروح الإيمان ، وروح القدس ، فإنه جعل لكل روح رزقا يناسبه ، ويتغذى به ، من الأرزاق الحسية أو المعنوية من الحكم والمعارف ، وإما أن يكون
--> ( 1 ) كما في بعض النسخ أي ( قوتا مقسوما ) .